السيد كمال الحيدري

156

أصول التفسير والتأويل

وقد أخطأوا في ذلك ، فإنّ الله سبحانه لم يبطل حجّة العقل في كتابه ، وكيف يعقل ذلك وحجّية القرآن إنّما تثبت بالعقل ! ولم يجعل حجّية في أقوال الصحابة والتابعين وأنظارهم على اختلافها الفاحش ، ولم يدعُ إلى السفسطة بتسليم المتناقضات والمتنافيات من الأقوال ، ولم يندب إلّا إلى التدبّر في آياته ، فرفع به أىّ اختلاف يتراءى منها ، وجعله هدىً ونوراً وتبياناً لكلّ شئ ، فما بال النور يستنير بنور غيره ! وما شأن الهدى يهتدى بهداية سواه ! وكيف يتبيّن ما هو تبيان كلّ شئ بشئ دون نفسه ! وأمّا المتكلّمون فقد دعتهم الأقوال المذهبية على اختلافها أن يسيروا في التفسير ما يوافق مذاهبهم واتّجاهاتهم الكلامية بأخذ ما وافق وتأويل ما خالف على حسب ما يجوّزه ويرتضيه قول المذهب . واختيار المذاهب الخاصّة واتّخاذ المسالك والآراء المخصوصة وإن كان معلولًا لاختلاف الاجتهادات العلمية أو لشئ آخر كالتقاليد والعصبيات القومية وليس هاهنا محلّ بحثها إلّا أنّ هذه الطريقة من البحث أحرى بها أن تسمّى تطبيقاً لا تفسيراً . وأمّا الفلاسفة فقد عرض لهم ما عرض للمتكلّمين من المفسّرين من الوقوع في ورطة التطبيق وتأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلّمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعمّ أعنى : الرياضيات والطبيعيات والإلهيات والحكمة العملية ، وخاصّة المشّائين ، فقد تأوّلوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات الخلقة وحدوث السماوات والأرض وآيات البرزخ وآيات المعاد ، حتّى أنّهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات والأصول الموضوعة التي نجدها في العلم الطبيعي : من نظام الأفلاك الكلّية والجزئية وترتيب العناصر والأحكام الفلكية والعنصرية إلى